ابن قيم الجوزية
137
البدائع في علوم القرآن
دفعه ، سواء كان لكم من الأمر شيء ، أو لم يكن لكم ، وأنكم لو كنتم في بيوتكم ، وقد كتب القتل على بعضكم لخرج الذين كتب عليهم القتل من بيوتهم إلى مضاجعهم ولا بد ، سواء كان لهم من الأمر شيء ، أو لم يكن ، وهذا من أظهر الأشياء إبطالا لقول القدرية النفاة ، الذين يجوزون أن يقع ما لا يشاؤه اللّه ، وأن يشاء ما لا يقع . فصل ثم أخبر - سبحانه - عن حكمة أخرى في هذا التقدير ، هي ابتلاء ما في صدورهم ، وهو اختبار ما فيها من الإيمان والنفاق ، فالمؤمن لا يزداد بذلك إلا إيمانا وتسليما ، والمنافق ومن في قلبه مرض ، لا بد أن يظهر ما في قلبه على جوارحه ولسانه . ثم ذكر حكمة أخرى : وهو تمحيص ما في قلوب المؤمنين ، وهو تخليصه وتنقيته وتهذيبه ، فإن القلوب يخالطها بغلبات الطبائع ، وميل النفوس ، وحكم العادة ، وتزين الشيطان ، واستيلاء الغفلة ما يضاد ما أودع فيها من الإيمان والإسلام والبر والتقوى ، فلو تركت في عافية دائمة مستمرة ، لم تتخلص من هذه المخالطة ، ولم تتمحص منه ، فاقتضت حكمة العزيز أن قيض لها من المحن والبلايا ما يكون كالدواء الكريه لمن عرض له داء إن لم يتداركه طبيبه بإزالته وتنقيته من جسده ، وإلا خيف عليه من الفساد والهلاك ، فكانت نعمته سبحانه عليهم بهذه الكسرة والهزيمة ، وقتل من قتل منهم ، تعادل نعمته عليهم بنصرهم وتأييدهم وظفرهم بعدوهم ، فله عليهم النعمة التامة في هذا وهذا . ثم أخبر - سبحانه وتعالى - عن تولي من تولى من المؤمنين الصادقين في ذلك اليوم ، وأنه بسبب كسبهم وذنوبهم ، فاستزلهم الشيطان بتلك الأعمال حتى تولوا ، فكانت أعمالهم جندا عليهم ، ازداد بها عدوهم قوة ، فإن الأعمال جند للعبد وجند عليه ، ولا بد فللعبد كل وقت سرية من نفسه تهزمه ، أو تنصره ، فهو يمد عدوه فأعمال العبد تسوقه قسرا إلى مقتضاها من الخير والشر ، والعبد لا يشعر ، أو يشعر ويتعامى ، ففرار الإنسان من عدوه ، وهو يطيقه إنما هو جند من عمله ، بعثه له الشيطان واستزله به . ثم أخبر - سبحانه - أنه عفا عنهم ، لأن هذا الفرار لم يكن عن نفاق ولا شك ، وإنما كان عارضا ، عفا اللّه عنه ، فعادت شجاعة الإيمان وثباته إلى مركزها ونصابها ، ثم كرر عليهم سبحانه : أن هذا الذي أصابهم إنما أتوا فيه من قبل أنفسهم ، وبسبب أعمالهم ، فقال : أَ وَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 165 ) [ آل عمران ] . وذكر هذا بعينه فيما هو أعم من ذلك من السور المكية ، فقال :